النووي

535

تهذيب الأسماء واللغات

النبي صلّى اللّه عليه وسلم : أنه كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال : « اللهمّ زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وبرّا ، وزد من شرّفه » إلى آخره ، هكذا ذكره : جمع أولا بين المهابة والبرّ ، كما وقع في « الوجيز » ، لكن هذه الرواية مرسلة ، وفي إسنادها رجل مجهول وآخر ضعيف . قوله في آخر « الوجيز » : لا قطع على النبّاش في برّيّة ضائعة ، قال الرافعي : يجوز برية بالباء الموحدة ولا يجوز تربة بالمثناة فوق ، قلت : والأول أصوب ، وإن كانا جائزين . برز : في الحديث : « اتقوا الملاعن الثلاث : البراز في الموارد ، والظّل ، وقارعة الطّريق » « 1 » ، قال الإمام أبو سليمان الخطابي : البراز هنا مفتوحة الباء : وهو اسم للفضاء الواسع من الأرض ، كنّوا به عن حاجة الإنسان ، كما كنّوا عنها بالخلاء ، يقال : تبرّز الرجل : إذا تغوّط ، وهو أن يخرج إلى البراز ، كما قيل : يخلا : إذا صار إلى الخلاء ، قال الخطابي : وأكثر الرواة يقولون : البراز بكسر الباء ، وهو غلط ، وإنما البراز مصدر بارزت الرجل في الحرب مبارزة وبرازا . هذا آخر كلام الخطابي . وذكر بعض من صنف في ألفاظ « المهذب » من الفضلاء : أنه البراز بكسر الباء ، وقال : ولا تقل بفتحها ، قال : لأن البراز بالكسر كناية عن ثفل الغذاء وهو المراد . وهذا الذي قاله هذا القائل هو الظاهر والصواب . قال الجوهري وغيره من أهل اللغة : البراز بكسر الباء : ثفل الغذاء ، وهو الغائط ، وأكثر الرواة عليه ، وهذا يعيّن المصير إليه ؛ لأن المعنى عليه ظاهر ، ولا يظهر معنى الفضاء الواسع إلا بتأويل وكلفة ، فإذا لم تكن الرواية عليه لم يصر إليه ، واللّه أعلم . ويقال : برز الرجل يبرز بروزا ، أي : خرج وظهر ، وأبرزه غيره إبرازا ، وبرّزه تبريزا ، والمبارزة في الحرب معروفة ، وبرّز الرجل في العلم وغيره : إذا فاق نظراءه فيه ، وكذلك الفرس إذا سبق ، وامرأة برزة بفتح الباء وإسكان الراء : تبرز وتخرج في حوائجها وليست مخدّرة . والذهب الإبريز : هو الخالص ، تكرر ذكره في كلام الغزالي ، وهو بكسر الهمزة والراء وإسكان الباء الموحدة بينهما . برسم : الإبريسم معروف ، قال ابن السكيت والجوهري وغيرهما : هو بكسر الهمزة والراء وفتح السين ، وهو منصرف معرفة ونكرة ، لأن العرب عرّبته وأدخلت عليه الألف واللام ، وأجرته مجرى ما أصل بنائه لهم ، وكذلك الدّيباج والآجرّ والزّنجبيل ونظائرها . وقال آخرون : إبريسم بفتح الراء وكسر الهمزة وفتحها ، فحصل ثلاث لغات ، وأما المبرسم ، فقال الجوهري : البرسام : علّة معروفة ، وقد برسم الرجل ، فهو مبرسم . وأما قوله في باب الضمان من « مختصر المزني » : لا يصح ضمان المبرسم الذي يهذي ، فقال صاحب « الحاوي » : لا اعتبار بالهذيان ، فمتى كان المبرسم زائل العقل ، بطل ضمانه وسائر عقوده ، سواء كان يهذي أم لا . ولأصحابنا عن قوله « يهذي » جوابان ، أحدهما : أنه زيادة ذكرها المزني لغوا . والثاني : لها فائدة ، وذلك أن المبرسم يهذي في أول برسامه لقوة جسمه ، فإذا طال به أضعف جسمه فلم يهذ ، فأبطل ضمانه في الحالة التي هو فيها صاحب قوة ، فالحال التي دونها أولى . برق : قال الزجّاج في كتاب « فعلت وأفعلت » : قال أبو عبيدة وأبو زيد : يقال : برق وأبرق : إذا أوعد وتهدّد ، وبرقت السماء وأبرقت ، قال : والاختيار برق وبرقت ، واللّه أعلم .

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود ( 26 ) ، وابن ماجة ( 328 ) ، من حديث معاذ بن جبل .